مؤلف مجهول

218

الإستبصار في عجايب الأمصار

على ضفة النيل ، فإن النيل يشق جميع تلك البلاد ، ويسقى أكثرها . ومن عجائب تلك البلاد أن فيها حيوان يشبه الفيل في عظيم خلقته وخرطومته وأنيابه ، يسمونه جفو ويرعى في البر ويأوى إلى النيل ، ويصطادونه فيأكلون لحمه ويصنعون من جلده الأسواط التي تسمى بالسّريّاقات ، ويقال لها بالأندلس ذنب الفأر . ومن هناك تحتمل الأسواط إلى جميع الآفاق ، ولهم في صيده حيلة فإنهم يميزون في النيل المواضع التي يأوى إليها هذا الحيوان [ حيث ] يتحرك الماء على ظهره لقلة استقراره ، وعندهم مزارق حديد قصار في أسافلها حلق قد شدت فيها حبال مديدة ، فيزرقونه بالعدد الكثير منها ، فيهرب منهم ويغوص في أسفل النيل فيرخون له تلك الحبال فيضطرب حتى يموت . فإذا مات طفا على الماء فيجرونه إلى البر ، ويأخذونه . وتلى مدينة قلنبوا مدينة ترنكة « « ا » » « 1 » : وهي مدينة كبيرة على نظر واسع وبها تصنع الأزر المسمات بالشكيات التي تنفق في مدينة قلنبوا وغيرها ، وهي من القطن وليس بهذه المدينة قطن كثير وإنما هو مجلوب إليها ، وهم يتبركون بشجره فقل ما عندهم منزل ولا دار إلا وفيه شجرة قطن . وحكم أهل هذه البلاد في السارق أن يخير صاحب السرقة في بيع السارق أو قتله ، وحكمهم في الزاني أن يسلخ من جلده . ومن مدينة ترنكة تتصل ببلاد السودان إلى بلاد زافون « « ب » » « 2 » وهم من البرابر لهم مدينة زافون ، سميت بهم . وهم يعبدون ثعبانا عظيما له عرف وذنب ورأسه كرأس البختي ، وهو في مغارة في أصل جبل ، وعلى فم المغارة عريش وحوله مواضع يتعبدون فيها لذلك الثعبان ، ويعلقون نفيس الثياب والمتاع على تلك المغارة ، ويضعون لذلك الثعبان جفان الطعام وعساس اللبن والشراب ، فهم إذا رأوا خروجه إلى ذلك العريش تكلموا كلاما معلوما عندهم ، وصفروا تصفيرا كذلك فيبرز إليهم . فإذا هلك وال من ولاتهم جمعوا أولاده ، إن كان له ولد ومن يصلح للملك بعده ، وقربوه من ذلك الثعبان وتكلموا بكلام يعلمونه ، فيدنوا ذلك الثعبان منهم فلا يزال يشمهم رجلا رجلا

--> « ا » البكري ( ص 173 ) : ترنقه . « ب » البكري ( ص 173 ) : زافقوا . ( 1 ) أنظر البكري ، ص 173 ( 2 ) البكري ، ص 173 ؛ قارن معجم البلدان ، ج 2 ص 908 ؛ مراصد الاطلاع ، ج 1 ص 502